الحقيقة، المسؤولية والمستقبل في ظل واقع كارثة مستمرة
بين نزع الملكية والمحو وبناء التأثير
الحقيقة، المسؤولية والمستقبل في ظل واقع كارثة مستمرة
أمل عرابي وأورلي نوي في حلقة نقاش خاصة ضمن مؤتمر خريجات وخريجي مدرسة السلام
في 5 كانون الأول/ديسمبر 2025 عقدنا حلقة نقاش ضمن المؤتمر السنوي لخريجات وخريجي مدرسة السلام. المؤتمر، الذي يمتد على مدار يومين، يشكّل حيّزًا للقاء شخصي ومهني بين خريجات وخريجي الدورات المختلفة لدينا، من جميع المجالات ومن مختلف السنوات – لتبادل المعرفة، والتعلّم المشترك، وتعميق تحليل الواقع، والتزوّد بالطاقة لمواصلة العمل والنشاط. وفي مركزه يجري مسار حوار متواصل في مجموعات ثابتة، يجمع بين حوار ثنائي القومية وأحادي القومية، بإدارة ميسّرات مدرسة السلام ووفق منهجية الحوار الفريدة التي نطوّرها.
صيغ موضوع المؤتمر هذا العام على النحو التالي: “العيش في كارثة مستمرة – بين نزع الملكية والمحو وبناء التأثير”. سعينا إلى تفحّص التوتّر بين المحو — الجسدي والرمزي — الذي نعيشه ونشهد عليه، وبين إمكانية الفعل داخل واقع من العنف المتطرّف المتواصل، والقمع، والصدمة التي لا تنتهي. حاولنا خلق حيّز يتأمّل حياتنا — واقع حرب إبادة، ودمار، وإسكات — وينظر إلى مسؤوليتنا سواء في الوصول إلى هذا الوضع أو في العمل على تغييره. إلى جانب ذلك، فتحنا نقاشًا حول أسئلة المستقبل – هل لدينا أيّ سيطرة عليه؟ وهل يمكن التأثير في شكله؟
أُديرت الحلقة من قبل نور أبو راس وموران برير، وجرت كحوار حيّ ومباشر بين الميسّرات والمتحدّثين والجمهور – لا كسلسلة محاضرات أحادية الاتجاه. شارك فيها أمل عرابي، محامٍ وناشط في مجال حقوق الإنسان وخريج دورة “وكلاء/وكيلات التغيير” في مجال المحاماة في مدرسة السلام، وأورلي نوي، صحافية ومحرّرة ومترجمة. لم يكن اختيارهما صدفة: فمحاولتنا لفهم تبعات المحو وإمكانيات التأثير متجذّرة في الحوار بين الهويّات، ومن منطلق أنّ اللقاء اليهودي–الفلسطيني هو أولًا وقبل كل شيء لقاء سياسي بين مجموعتين قوميتين. نركّز على سؤال دور كل طرف ضمن علاقات القوة القائمة – ما الذي يمكن، أو لا يمكن، لليهود الساعين إلى التغيير فعله من موقعهم، وما الذي يمكن للفلسطينيين فعله، وما هي حدود الممكن والوارد بالحسبان بالنسبة لهم. كلّ من أمل وأورلي ينشران مضامين تقدّم تحليلًا للواقع من هذه الزاوية الهويّاتية، ويمنحانها صوتًا فريدًا، كما يتحدّيان كلٌّ منهما جماعته والطرف الآخر على حد سواء.

ما الذي تغيّر في العامين الأخيرين؟
كانت نقطة الانطلاق في النقاش هي الاعتراف بأننا نعيش منذ عقود كارثة مستمرة – لكن في العامين الأخيرين بلغت الكارثة أبعادًا هائلة وغير قابلة للتصوّر، وكذلك تداعياتها على الجميع.
وصفت أورلي نوي، في ما يتعلّق بالمجتمع الإسرائيلي، مزيجًا معقّدًا من الاستمرارية والانكسار. فمن جهة، ترى أن الواقع الحالي ليس عرضيًا بل نتيجة سيرورة متواصلة منذ سنوات طويلة؛ “وصلنا إلى حيث كنّا نسير”، قالت مقتبسةً عن دوف ألفون. فالمجتمعات لا تتحوّل إلى مجتمعات إباديّة بسبب محفّز واحد، حتى لو كان صادمًا وصعبًا مثل السابع من أكتوبر. إنّه مسار كامل قاد إلى المكان الذي نحن فيه، وهذا هو بُعد الاستمرارية. ومن جهة أخرى، هناك بُعد الانكسار، ويتمثّل في أنّ الإيتوس الإسرائيلي دخل مرحلة جديدة: فإذا كان المجتمع الإسرائيلي حتى الآن يتمسّك بفكرة الديمقراطية الليبرالية – رغم عنصرية وتفوّق مدمجين في بنيته – فقد طرأ تغيير. الإيتوس ذاته بات يشمل العنف، ونزعة القوة، والحسم، وأحيانًا الإبادة. في الواقع، تقلّصت الفجوة بين القيم المعلنة للمجتمع وممارساته اليومية، ولذلك تقلّص حيّز الإصلاح بشكل كبير. من الصعب مساءلة المجتمع والدعوة إلى العدالة حين لا يبقى حتى خطاب شكلي يتضمّن أفكار الديمقراطية والمساواة. وهذا يضعنا في واقع لعبة مختلفة، أكثر خطورة بكثير. ومع ذلك، تصرّ أورلي، حتى ضمن هذا الحيّز المتقلّص، على مواصلة العمل وعدم التخلّي عن الحوار مع المجتمع اليهودي في إسرائيل.
أمّا أمل عرابي، فقد وصف تقويضًا عميقًا لشعور البيتيّة – محاولة مستمرة لإقناعه بأنّ شخصًا آخر هو صاحب البيت، وأنّه من الممكن بل يُسمح بتدمير البيت الفلسطيني، جسديًا ومجازيًا. ومن هنا تنشأ حالة من المنفى داخل البيت، بل منفى مزدوج: في الحيّز الفيزيائي وفي الحيّز السياسي. ووفقًا له، تزعزعت أيضًا قناعته بوجود قوانين وقيم تنظّم الحياة؛ تغيّرت اللغة، تغيّرت القواعد، و”استفاق” بعض الشركاء. في هذا الواقع، انحدرت المعايير الأخلاقية إلى درجة أنّه، من وجهة نظره، يمكن اعتبار كل من يرى في الفلسطينيين بشرًا ويرفض القتل العشوائي شريكًا.

الدور الشخصي والجماعي في مواجهة الواقع
انتقل النقاش إلى مسألة الدور – على المستويين الشخصي والجماعي – لليهود.يات والفلسطينيين.يات داخل مجتمعاتهم.ن وفي علاقتهم.ن مع الفضاء الأوسع.
أشار عرابي إلى اقتباس من حنّة أرندت يقول إن الكذب المتكرر لا يحوّل الكذب إلى حقيقة ولا الحقيقة إلى كذب؛ بل إن ما يحدث فعليًا هو اهتزاز قدرتنا على التوجّه في الواقع، بما في ذلك قدرتنا على التمييز بين الحقيقة والكذب. انطلاقًا من ذلك شدّد أمل على ضرورة الإصرار على التمييز بين الحقيقة والكذب في واقع مشبع بالتلاعب والدعاية. أي الإصرار على أن هناك حقيقة، وأن ليس كل شيء مجرّد آراء، وليس كل شيء كذبًا. وأضاف أن التمسّك بهذه الحقيقة قد يشعر الإنسان بالعزلة الشديدة، وربما ليس من السيئ أن يكون المرء وحيدًا في واقع يفيض بالكذب والتلاعب والإبادة. لكن الفكرة ليست احتضان هذه العزلة والوحدة، بل البحث عن الآخرين الذين يقفون أيضًا مع الحقيقة، والعمل على بناء بيتٍ مشترك معهم. وفي هذا السياق قال إن الهجوم الوحشي غير المسبوق الذي تشنّه إسرائيل على الشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده يهدف إلى تحطيم إيمان الفلسطينيين بأن من حقهم العيش بكرامة، ودفعهم إلى الاكتفاء بالبقاء على قيد الحياة فقط. يتجلّى ذلك في اقتلاع أشجار الزيتون في الضفة الغربية، وفي الإسكات والاعتقالات داخل إسرائيل، وصولًا إلى الإبادة في غزة. أمام هذا المسعى الواسع والممنهج للمحو، يرى أمل أن الصمود وحده لم يعد كافيًا. لذلك يقترح تطوير ما يسميه «الصمود الإيجابي» – صمود يقوم على بناء البنى التحتية، والنظر إلى المستقبل انطلاقًا من الإصرار على أن لنا مستقبلًا، وعلى بلورة رؤية والعمل على إيجاد شركاء مناسبين لتحقيقها.
وصفت أورلي نوي واقعًا نغرق فيه تحت سيلٍ من الشر، واقعًا يجعلنا خائفين، مشلولين ومُسكَتين، في محاولة لإنتاج ما يُعرف بـ “تأثير التبريد” – أي إبقائنا مطيعين وصامتين. وترى أن الرد على ذلك يجب أن يكون فعلًا واعيًا لخلق “تأثير التسخين”: أن نتحدث أكثر، وأن نصرّ على إعادة طرح السياق السياسي الذي أصبح الحديث عنه شبه ممنوع بعد السابع من أكتوبر، وأن نرسم حدودًا أخلاقية واضحة حتى عندما ينجرف الخطاب العام نحو اليمين. وفي الوقت نفسه شدّدت على ضرورة الاعتراف بحدود تأثيرنا في هذه المرحلة. فبرغم رغبتنا العميقة، لم نتمكّن من إيقاف الإبادة بأجسادنا، ولم تكن لدينا في الواقع القدرة على ذلك. إنّ هذا إدراكٌ مؤلم ومزلزل نفسيًا، لكنه ضروري. علينا أن نقبله لكي نتمكّن من أداء الأدوار الأخرى المتاحة لنا.

مسؤولية سياسية لا أخلاقية فقط
قال عرابي إنه يرى نفسه «خبيرًا في شؤون اليهود» – في مقارنة نقدية وساخرة مع كثرة «الخبراء في شؤون العرب» الذين يملؤون استوديوهات الأخبار وهيئات التحرير في الصحف – ومن هذا الموقع أراد أن يتطرّق أيضًا إلى دور اليهود من وجهة نظره. وحذّر من السرديات التي تدعو إلى “ترميم الشرخ” وهي سرديات تنتشر في المجتمع الإسرائيلي بعد الحروب والصراعات الداخلية، وتعمل كنوع من الطقس الجماعي للعودة إلى الحياة الطبيعية، بينما تتم مواصلة محو الفلسطينيين من الوعي العام. في مواجهة ذلك دعا إلى مقاومة خطاب “ترميم الشرخ”، بل إلى العكس: إلى توسيع هذا الشرخ وكشفه على الملأ.
أضافت نوي، في سياق الحديث عن ضرورة إعادة طرح السياق السياسي للأحداث، أن هناك دورًا إضافيًا يبرز في هذه المرحلة، وهو الحاجة إلى إعادة النقاش حول الأبارتهايد والاحتلال والقمع إلى جذوره السياسية. ففي أجزاء من الخطاب اليساري اليهودي–الإسرائيلي يُختزل الوجود الفلسطيني في المجال الإنساني فقط، وبشكل أكثر حدّة منذ السابع من أكتوبر والإبادة في غزة. ضمن هذا التصوّر يُنظر إلى الفلسطينيين أساسًا بوصفهم ضحايا، وإلى الاحتلال بوصفه مصدر الشر، بينما يتموضع هؤلاء باعتبارهم «اليهود الطيبين» الذين يمدّون يد العون للفلسطينيين انطلاقًا من موقف أخلاقي. غير أنّ هذه المقاربة تصدّعت عندما بدا الضحية، للحظة، وكأنه المُعتدي في أحداث السابع من أكتوبر؛ فتحوّل الشعور بالشفقة إلى شعور بالخيانة. ومن هنا تبرز مسؤولية سياسية واضحة: الإصرار على أن المسألة ليست قضية إنسانية فحسب، بل قضية سياسية في جوهرها.
وأضاف عرابي أن التصريحات من نوع «ليس باسمي»، أو «هذا ليس أنا، بل الدولة»، أو «الاحتلال يفسدنا من الداخل» تفوّت أيضًا جوهر المسألة. فهل يمكن الاستمرار في أن تكون مواطنًا صالحًا في دولة ترتكب جرائم؟ القضية في هذا الشأن ليست مقدار صلاحك الشخصي. مواطنتك هي مسألة سياسية – انهض وناضل، وقم بفعلٍ سياسي. لا تنكفئ إلى داخل نفسك وتكتفِ بتطهير ضميرك بعبارات فارغة.

الخوف، الإسكات والمحو اليومي
من بين مداخلات الحضور طُرح موضوع الخوف اليهودي بعد السابع من أكتوبر – خوف وجودي له جذور تاريخية، لكنه يُغذّى أيضًا بشكل مستمر من قبل المؤسسة الحاكمة. أشارت نوي إلى المفارقة في واقعٍ تكون فيه دولة تُعدّ قوة عسكرية إقليمية كبرى تعطي الأولوية لمشاعرها، بينما تمارس إبادة شعبٍ آخر – واقع تُقدَّم فيه المشاعر اليهودية على حياة الفلسطينيين. وقدّمت مثالًا على ذلك في قضية الشرطي الذي قتل إياد الحلاق، الشاب من ذوي الاحتياجات الخاصة الذي لم يكن مسلّحًا، والذي بُرِّئ في المحكمة بعدما قال إنه أطلق النار لأنه خشي على حياته. من جانبها علّقت مشاركة يهودية من الجمهور بأنّه لا يمكن تجاهل أن الظروف التي سبقت دخول الجيش إلى غزة لم تكن مجرّد خوف وجودي غامض، بل خوفًا حقيقيًا نشأ نتيجة ما حدث في السابع من أكتوبر.
أشار مشارك فلسطيني من الجمهور إلى أن الخوف بات جزءًا متأصّلًا من الهوية الإسرائيلية، إلى حدّ الخوف من فقدان هذا الخوف نفسه. وبرأيه فإن هذا أيضًا جزء من الإيثوس الصهيوني – تصوّر يقوم على أن هناك دائمًا عالمًا مُهدِّدًا في الخارج، عالمًا لن يقبلنا أبدًا قبولًا كاملًا، ولذلك يجب الدفاع عن أنفسنا في مواجهته. تطرّق أمل إلى مسألة الحق في الأمن وإلى المخاوف اليهودية، وطرح سؤالًا مبدئيًا: هل تريد إسرائيل أن ترى نفسها قوة إقليمية كبرى، أم «الطفل المضروب في الحي»؟ وهل يمكن باسم خطاب الضحية الدائم، ذلك الذي يحمل جذور تاريخية عميقة واقعية، تبرير قتل عشرات الآلاف من الأطفال وتدمير أحياء كاملة؟ وهل من المقبول أن يُقضى على الفلسطينيين بالموت أو بالعيش محاصرين خلف الحواجز باسم شعور اليهود بالأمن؟ وأضاف أن البعد الإنساني للألم التاريخي هو أمر مشترك – «كل ما هو إنساني ليس غريبًا عنا» – لكن لا إنسانية في إلقاء قنابل ثقيلة على مكان محاصر.
من جهتهم وصف مشاركون فلسطينيون واقعًا موازيًا من الخوف والإسكات. فقد تحدّثوا عن حياتهم المزدوجة في الفضاءات اليهودية، وعن اضطرارهم إلى محو أجزاء من ذواتهم للبقاء، في ظل شروط للحديث تفرض عليهم إظهار التعاطف المسبق مع الألم الإسرائيلي. وشاركت إحدى المشاركات الفلسطينيات بأنها أحيانًا تجد من الأسهل عليها أن تتعاطف مع الألم الإسرائيلي أكثر من مواجهة الألم الفلسطيني بكلّ ثقله، لأن النظر إلى واقع غزة بعينين مفتوحتين قد يجعل من الصعب عليها مواصلة حياتها كما لو أنّ شيئًا لم يحدث.
عاصفة، أثمان وشجاعة قول الحقيقة
كان النقاش في بعض اللحظات حادًا ومشحونًا للغاية، لكن كما ذكّر أمل، «خبيرنا في شؤون اليهود»، مقتبسًا من أقوال الحكماء: “لا تُشحَذ السكين إلا على فخذ أختها”. أي إن في اللقاء والحوار قيمة بحدّ ذاتهما، حتى عندما يترافقان مع اختلاف في الرأي، بل وحتى مع مواجهة. مثل هذا الحوار يتيح لكل الأطراف أن يفهموا أنفسهم وشركاءهم والواقع بعمق أكبر، وهو يشكّل فعل مقاومة للصمت والإسكات اللذين اشتدّا في العامين الأخيرين. ومن خلال ذلك يصبح ممكنًا أيضًا تعزيز القوة الداخلية المشتركة وإعادة التفكير في المبادئ، في الطريق نحو بلورة رؤية لمستقبل أكثر إنسانية.
ومع ذلك كان واضحًا جدًا أن مجرد محاولة الحديث عن واقع كارثّي مستمر وصادم هو أمر بالغ الصعوبة: من صعوبة اختيار الكلمات بدقة، وصعوبة الإصغاء، والترجمة، والحضور الكامل. وأحيانًا لا يقلّ الصمت صعوبة. فالعاصفة العاطفية التي نشأت ليست أمرًا هامشيًا، بل جزء لا يتجزأ من مواجهة الحقيقة المرّة والمؤلمة ومن الجهد لفهمها والعمل على تغييرها. ومن المهم أيضًا التذكير بأن قول الحقيقة في واقع كارثيّ، في مواجهة قوة تسعى إلى تشويهها وإسكاتها، ينطوي على ثمن شخصي حقيقي. فقد شاركت أورلي وأمل بالأثمان الباهظة التي يدفعانها في حياتهما نتيجة عملهما، وهو ما يذكّرنا بأن قول الحقيقة يتطلّب شجاعة وجرأة واستعدادًا «للمسّ النار». فهو ليس أمرًا متاحًا دائمًا، ولا أمرًا بديهيًا. ولهذا بالذات يحمل مثل هذا اللقاء قيمة عميقة وثمينة – حتى عندما يكون مؤلمًا – ونحن ممتنّات وممتنّون لكافة من اختاروا المشاركة فيه.

قول الحقيقة وخلق لغة جديدة
انبثقت من الحوار فكرة مركزية حول أهمية قول الحقيقة في واقعٍ يفيض بالأكاذيب والتلاعب والغزلايتيّة. ويعني ذلك الإصرار على أن الحقيقة موجودة، والقدرة على التمييز بين ما هو جوهري وما هو ثانوي، وفهم كيف يمكن الحفاظ على حدود أخلاقية حتى عندما يكون الثمن باهظًا.
لكن كيف يمكن قول الحقيقة عندما تكون الكلمات نفسها قد تآكلت؟ كيف نتحدّث عن الجرائم، وعن الألم، وعن مستقبلٍ متخيَّل؟ هنا تبرز فكرة أخرى: الحاجة إلى خلق لغة جديدة. لغة لا تكون أسيرة نظريات انهارت أو كلمات شُحنت بالجرائم؛ لغة قادرة على احتواء الألم، وبناء شراكة ورؤية، وفتح إمكانية لمستقبل يقوم على حياة بكرامة وأمان وازدهار مشترك.
لعلّ هذه إحدى المهمّات الأعمق التي تقف أمامنا الآن – أن نخلق لغة لا تكتفي بوصف الواقع، بل تتيح أيضًا تغييره.
__

