ملخّص دورة تدريب الموجهين.ات للحوار الفلسطيني-اليهودي 2025
دورة الموجهين.ات للحوار الفلسطيني-اليهودي بالأرقام
بين شهري نيسان أبريل وتموز يوليو 2025، عُقدت دورة تدريبية لإعداد موجهي.ات للحوار الفلسطيني-اليهودي في مدرسة السلام. أنهى الدورة بنجاح 24 مشاركًا.ة، منهم 12 فلسطينيًا.ة و12 يهوديًا.ة، بينهم 13 امرأة و11 رجلًا. جاء المشاركون.ات من مجالات العلاج، التعليم، الإرشاد والعمل المجتمعي، ومن مناطق النقب، المركز، الشمال وشرق القدس. تضمنت الدورة 11 لقاءً مدة كل منها 6 ساعات، شاملة عطلتَي نهاية أسبوع مكثفتين، الأولى ليومين والثانية لثلاثة أيام، بمجموع 80 ساعة تعليمية.
خلال الدورة، نُظّمت زيارة لمعرض “מועקה وجع” في جاليري قرية واحة السلام نفيه شالوم، بإشراف مديرة المعرض ديانا شلوفي زريق. شمل المعرض أعمالًا لفنانين فلسطينيين وإسرائيليين حول قضايا سياسية، وخاصة الإبادة، الفقدان والألم المرتبطين بالحرب على غزة. أثارت الجولة أسئلة حول العمل المجتمعي في زمن الحرب، المبادرات المدنية، الهوية والحضور في الفضاء العام.
“خلال الدورة وجدت نفسي أتعرض لأسئلة لم أجرؤ على طرحها من قبل – حول هويتي، مكاني داخل واقع معقد، وحتى حول الصمت الذي اعتدت عليه.”

تُعد هذه الدورة جزءًا أساسيًا من رؤية مدرسة السلام لتطوير قيادة سياسية واجتماعية قادرة على قيادة عمليات تغيير بين الفلسطينيين واليهود. تستند الدورة إلى منهج المدرسة الفريد، الذي يدمج الحوار العميق مع تحليل موازين القوة، النظر النقدي إلى السرديات، وفهم السياقات التاريخية والاجتماعية للصراع.
الهدف ليس فقط تزويد المشاركين.ات بأدوات لتوجيه المجموعات، بل خلق فضاء يعيش فيه الموجهون المستقبليون التعقيد بأنفسهم، ويتعلّمون التعامل معه، ويطوّرون مسؤولية مهنية وسياسية.
خريجو الدورة يصبحون جزءًا من مجتمع نشط من الموجهين.ات العاملين في أطر متنوعة: منظمات المجتمع المدني، جهاز التربية والتعليم، العمل المجتمعي والأكاديمية، ويواصلون تعزيز الحوار كطريق لتغيير الواقع وبناء شراكة عادلة ومتساوية.
محاور التعلم الثلاثة في الدورة
- الحوار الفلسطيني-اليهودي (أحادي القومية وثنائي القومية) – في المرحلة الأولى بإشراف موجهي الدورة، وفي مرحلة متقدمة بتوجيه المشاركين.ات أنفسهم ضمن “توجيه الأقران”.
- المحور النظري – تعلم مهارات التوجيه عبر محاضرات قدمها موجهوا.ات الدورة، طاقم مدرسة السلام ومحاضرون.ات ضيوف.
- قضايا – نقاشات مهنية حول قضايا في التوجيه التي انبثقت من التجربة المباشرة في الحوار.
موجهو.ات الدورة
إبراهيم إغباريّة – موجه شريك، مدرسة السلام.
أخصائي اجتماعي بخبرة تزيد عن 20 عامًا في مجالات العلاج، الإرشاد وتوجيه المجموعات. عمل لسنوات في توجيه مجموعات الحوار في المدرسة، خاصة في دورة المدن المختلطة ودورات الحوار الأكاديمي وغيرها.
ميخال زاك – موجهة شريكة، مدرسة السلام.
ذات خبرة طويلة في التوجيه ومرافقة الفرق في المنظمات الفلسطينية-الإسرائيلية المشتركة، مختصّه في مجال التربية السياسية وموجهة مجموعات صراع.
الحوار زمن الحرب
بدأت الدورة في ذروة موجة تحريض، إسكات وعنف متزايد ضد الفلسطينيين، لم تقتصر على قصف غزة، بل شملت قمعًا منهجيًا لكل صوت فلسطيني، الابتعاد عن النشاط في الفضاء العام، وخوفًا متصاعدًا من التكلّم وإسماع الصوت. لم تكن الحرب على غزة “خلفية” للدورة، بل كانت جزءًا منها، دخلت إلى الحلقة ، إلى التعلّم وإلى الحوار كمادة حيّة حاضرة في كل لقاء.
منذ البداية، كان واضحًا أن هذه ليست دورة تُعقد “بالرغم من” الوضع، بل جزءا منه . من هنا جاء التحدّي والاختيار في آن واحد للإصرار على شراكة سياسية في وقت ينهار فيه كل شيء. تعلّم المشاركون.ات أن الحوار الحقيقي يحدث حين نتفق على البقاء في الألم، لا تجاوزه.
تزامن الحوار مع تعلّم مهارات التوجيه: تحليل موازين القوة، التعامل مع التعقيد، بلورة موقف الموجه، وطرح الأسئلة المزعجة حتى عن الذات. لقاء بعد لقاء، جرت حوارات مشحونة، متعددة اللغات، مع توترات لم تُطمس بل حُفظت للتعلم منها.
برزت اللغة كساحة مركزية، ليس كمسألة تقنية للترجمة، بل كحقل صراع سياسي. قضايا مثل الترجمة الجزئية، الوصول غير المتكافئ، والحمولة الدلالية للكلمات أصبحت مواضيع تربوية وسياسية.
رافقت الإبادة وأجواء حرب الإبادة على غزة الدورة وأثّرت على الحوار بطرق لم نألفها من قبل. من جهة، كان هناك تجنّب مواضيع جوهرية في الصراع مثل الاحتلال والنكبة، وهي مواضيع تطرح في كل حوار وكل دورة، ربما خشيت المجموعة أن يؤدي ذلك، على خلفية فظائع الحرب، إلى تفككها. ومن جهة أخرى، نشأت علاقات قريبة ومميّزة أتاحت للمجموعة اليهودية مواجهة الواقع مباشرة، واقع تتحمل فيه مسؤولية عن جرائم كبرى تُرتكب باسمها، وأتاحت للمجموعة الفلسطينية مشاركة الألم والذنب والشلل الذي تشعر به في ظل الحرب. تشكّل فضاء ثنائي القومية يعكس نقيض العلاقات السائدة خارجًا بين الفلسطينيين واليهود.
“اخترت المشاركة في الدورة لأنني أؤمن بضرورة الكلام، خاصة في أيام مظلمة ومخيفة.”
التجربة العملية – توجيه الأقران
كان أحد المحاور المركزية في التعلّم هو التدريب الفعلي على توجيه المجموعات. قُسّمت المجموعة الكبيرة إلى مجموعتين، وكل ثنائي من المشاركين.ات أدار جزءًا من سيرورة جماعية، إما ضمن حوار مخطّط أو استجابة لديناميكية نشأت في الوقت الفعلي.
بعد كل تجربة، جرى تحليل معمّق: تحليل سيرورة المجموعة، مردود شخصي، النظر في استخدام اللغة، رصد ديناميكيات صرف الانتباه عن الصراع، كيفية استخدام سلطة الموجه، توقيت المداخلات، التوجيه الثنائي (co-facilitation) وتقسيم الأدوار بين الموجهين. كان التركيز على الدمج بين التحليل التربوي والموقف السياسي، وعلى القدرة على احتواء العواطف المركّبة .
تعلّم المشاركون.ات بناء مسار جماعي دقيق، وتشخيص ما يحدث “تحت السطح”،وطرحه للمجموعة. التوجيه الثنائي تطلّب تنسيقًا، اتخاذ قرارات مشتركة، وفي الوقت نفسه احتواء مواقف مختلفة.
“كانت تجربتي في توجيه الأقران للمجموعة المختلطة ذات معنى، حيث شعرت خلالها بوجود قرب وتعاطف عابر للهويات.”
المحاضرات
شملت الدورة محاضرات من موجهيها، طاقم مدرسة السلام ومحاضرين.ات ضيوف، دُمجت على مدار الدورة كأداة للتعمق المهني، وأسهمت في بلورة هوية مهنية بشكل واعٍ وارتكزت على النظرية.
- ابراهيم اغبارية – مفاهيم أساسية في توجيه المجموعات.
- ميخال زاك – دور اللغة في الهوية والمجموعات الحوارية.
- الدكتور روعي زيلبربرغ – منهج الحوار في مدرسة السلام.
- نور أبو راس – الحوار زمن الحرب.
- الدكتورة عمليا ساعر – نظرة نقدية على الفرضيات الكونية لخطاب الحوار وتحليل القوة المضمّنة في اللقاءات.
- خولة الطوري – اللغة، الجندر، الهوية والسرد؛ الحوار كفضاء إسكات وفرصة في آن واحد.
- روتي شوستر – أخلاقيات التوجيه السياسي.
- الدكتورة مرام مصاروة (في عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة) – باولو فريري والتربية النقدية كأساس للتربية السياسية والتحرير.


الخلاصة
كانت الدورة مساحة تعليمية مكثفة جمعت بين توجيه الأقران، الحوار والتعّلم النظري، وأحدثت تغييرًا عميقًا لدى العديد من المشاركين.ات. منحتهم أساسًا مهنيًا فريدًا في توجيه مجموعات الحوار الفلسطيني-اليهودي، مع أدوات عملية وحوارات معمّقة عززت قدرتهم على التوجيه بوعي ومسؤولية ودقة.
لم يجرِ تنفيذ كل ما خُطط له؛ أُجّلت بعض اللقاءات، ولم تُفتح بعض المواضيع حتى النهاية. إلى جانب الإنجازات، عكست الدورة أيضًا حدود وتحديات الفضاء الحواري في الواقع الكارثي. أُجّلت الجولة التي كان من المخطّط أن تتناول النكبة، وحوّلت بعض اللقاءات من الوجاهي إلى الزوم، وفي بعض اللقاءات الأحادية القومية وجلسات توجيه الأقران عمّ صمت حول قضايا حساسة مثل الجيش، الهوية الدينية أو الامتياز. عكست هذه اللحظات الديناميكية التي نسعى لتغييرها: الخوف من التصادم، والهرب إلى توافق “احتوائي” يخفي خطوط الانقسام. ومع ذلك، بُنيت مساحات من الثقة والشراكة حيث أمكن قول حقائق صعبة، الإصغاء بشكل مختلف، وخوض لحظات قرب عميق. بُني اللقاء الأخير حول أفكار باولو فريري في التربية النقدية، التي تبني عليها مدرسة السلام نهجها التربوي، وهو النهج الذي سيسير به المشاركون.ات في مسارهم المهني-التربوي لاحقًا. علّمنا الحوار السياسي، كما أكّدت الدورة مرارًا، أنه ليس بادرة مصالحة، بل اختيار لغة تشمل الصراع، النقد والأمل؛ أمل يولد عندما يكون الناس مستعدين للبقاء معًا في حالة عدم اتفاق، من دون التنازل عن أنفسهم أو عن إمكانية الشراكة الجريئة.
تكوّنت علاقات عابرة للقومية لم تُبنَ على الاتفاق، بل على القدرة على التعايش بين المواقف المختلفة. أصبح التوجيه أداة للمسؤولية السياسية والمهنية. والأسئلة التي بقيت مفتوحة، عن الشراكة، عن حدود الخطاب، عن اللغة، قد تكون الإرث الأهم الذي تركته الدورة.
“بدأت أفهم وأؤمن بأهمية الحوار والنقاش في مواجهة التحديات الكثيرة التي تواجه الفلسطيني واليهودي.”
–

